في مقابل جوقة واسعة من المشككين باللقاحات المضادة لمرض الكوفيد 19 في جميع أرجاء العالم ولأسباب متنوعة، منها الوجيهة وغير الوجيهة، نرى اليوم الكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي (وبينهم أطباء وصيادلة وعاملين آخرين في المجال الصحي) ينحون الاتجاه المعاكس تماماً، فيجعلون من هذه اللقاحات مقدّسات لا يجوز مسّها أو وضعها موضع التساؤل وكأنها نتاج إلهي. وعندما ترد تقارير عن تعقيدات أو آثار صحية جانبية تصاحب التلقيح، كما رأينا مؤخراً مع الاضطرابات الخثارية النادرة التي تلت التلقيح بلقاح استرازينيكا-أوكسفورد، يميل هؤلاء إلى التقليل من شأنها أو تسفيهها لإقناع من حولهم بأخذ اللقاح، وكأنهم في حملة تبشيريّة هدفها التلقيح أياً كان الثمن، وهذا ليس من الطب في شيء !
بعض هؤلاء، متأثرين بوسائل “إعلام” غير مختصة، حاولوا التقليل من أهمية هذه الحوادث بمقارنة النسبة المئوية لحدوثها في الجمهور عامةً مع نسب حدوث اضطرابات صمية أو خثارية ناجمة عن أسباب أخرى كركود الدم (stasis) في الأطراف السفلية خصوصًا واستخدام حبوب منع الحمل. هذه المقارنة ليست علمية ولا دقيقة، واصحابها يتناسون عن جهل أو عن عمد ثلاثة فوارق رئيسية بين الحالتين :
1- إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الحوادث الخثرية بعد تلقي لقاح استرازينيكا تم رصدها في فئة معينة بالنسبة للجنس والعمر (النساء دون ال 55 سنة) وليس في كافة مرشحي اللقاح، فإن نسبة حدوث هذه الاختلاطات في هذه الفئة تفوق بعدة أضعاف النسبة الاعتيادية لحصولها ؛
2- هذه الإصابات بعد التلقيح ترافقت مع انخفاض تعداد الصفيات الدموية المسؤولة عن تخثر الدم، وهذا يختلف جذرياً عن خثرات أوردة الساق (thrombosis) ؛
3- قسم كبير من الإصابات الخثرية التالية للتلقيح تم رصدها في الجيب الكهفي الدماغي وهو اختلاط خطير له مضاعفات عصبية جديّة وأحياناً مميتة ولا تمكن مقارنته بحالات الخثرات الأخرى التي تداولتها وسائل إعلام غير مختصة للتقليل من أهمية وخطورة هذه المضاعفات.
عبادة العلم وتأليه الطب بالذات ليسا أمراً جديداً في الإنسانية، بل وجد منذ آلاف السنين وفي حضارات مختلفة، وربما حتى قبل آلهة الطب والشفاء القدماء كإشمون (Eshmoun) الفينيقي الكنعاني وامحوتب (Imhotep) المصري واسكولاب (اسكليبيوس Asclepius) الاغريقي. وبلا شك، فإن التقدم العلمي الهائل وتطور وتنوع الاختصاصات والكوادر والتقنيات الصبية والصحية في العقود الأخيرة، كلها عوامل اسهمت في تغذية هذا التيار الفكري في أيامنا هذه. وبالمقابل، فإن هذه النزعة، مثلها تماماً كمثل نزعة التشكيك في كل نتاج علمي بشري، لا تستند إلى أسس منطقية سديدة في حالة العلوم التجريبية. فالطب ليس علماً حَرفياً (exact) منزهاً عن الخطأ كالرياضيات مثلاً ولا وجود فيه للمعرفة المطلقة للحقيقة، وإنما هو علم تجريبي يتطور باستمرار، يخطئ ويتعلم من أخطائه فيصوبها. وهو لن يصل يومًا إلى الكمال وإنما سيستمر في التطور والتحسن المبنيان على البحث المستمر ومساءلة ونقد الذات لما فيه خير البشرية وتقدمها الصحي.
ولذلك، وبخلاف الجهل وتجاهل ومجافاة الحقيقة، فهذه النزعات المتطرفة في تقديس الطب من جهة، أو الكفر المطلق به من جهة أخرى، لها تأثير سلبي جداً على فعاليته في محاربة الأمراض والجائحات. وفي حالة لقاح الكوفيد التي نحن بصددها، فتكرار، بل وتبني بعض الأطباء والعاملين الصحيين “لحقائق” غير دقيقة ولا موثوقة وتطمينات مزيفة تسوقها وسائل الإعلام غير المختصة للعامة يخاطر بفقدان المصداقية وحتى الثقة باللقاح وباستراتيجيات محاربة هذه الجائحة. وخصوصاً إذا ما تأكدت بعد ذلك علاقة سببية لهذا اللقاح ببعض الأعراض الجانبية الجدية، وهو أمر وارد جداً وما زال قيد البحث المعمق.
وبالمقابل، فهذا التوضيح لا يعني بالضرورة أنه يتوجب اعتبار لقاح استرازينيكا خطراً أو تجنب تلقّيه، فكل الدلائل والدراسات المتوافرة حتى اليوم لا تزال تشير إلى أن فائدة هذا اللقاح (وخصوصًا في السياق الحالي غير المسبوق لانتشار هذه الجائحة العالمية وخطورتها) تتجاوز بمراحل أي ضرر أو خطورة نادرة جداً إن ثبت ارتباطها به.
Global Health World Wide Watch, March 26, 2021
