الصين، ذاك البلد الهائل الذي ظهر فيه مرض الكوفيد 19 لأول مرة في أواخر عام 2019, قام منذ ذلك الحين بتطوير سلسلة من اللقاحات وتسويقها على الصعيدين المحلي والخارجي. وبالمقابل، ففي المنظور الغربي، فإن نقص الشفافية والغموض المحيطان ببيانات التطوير السريري لهذه اللقاحات تلقي بظلالٍ من الشك على نجاعة وأمان استخدام هذه اللقاحات. سنستعرض في هذا الموضوع ما نعرفه حتى اليوم عن اللقاحات الصينية، انواعها، بيانات تجاربها السريرية، تكلفتها وانتشارها داخل الصين وخارجها.
ما هي اللقاحات التي طورتها الصين ؟
بحسب موضوع نشره كريس بارانيوك في المجلة الطبية البريطانية BMJ في 9 نيسان (أبريل) 2021, هناك حوالي 12 لقاحًا صينيًا مرشحًا لفيروس الكوفيد 19، من بينها خمسة لقاحات سبقت أقرانها بالحصول على ترخيص إستخدام طارئ (emergency use approval) في الصين وفي العديد من البلدان الأخرى.
تعمل شركة سينوفارم (Sinopharm)، وهي شركة حكومية مملوكة للدولة، على لقاحين مختلفين في الوقت الحالي. هذان اللقاحات يعتمدان كليهما على شكل معطل من فيروس كورونا المسبب لمرض كوفيد 19 (والمسمى SARS-CoV-2). تم تطوير اللقاح الأول في معهد بكين التابع لشركة Sinopharm بينما تم تطوير الثاني في مدينة ووهان.
بالإضافة لهذين اللقاحين، تم تطوير لقاح ثالث يسمى كورونافاك (CoronaVac) من قبل شركة الأدوية سينوفاك (Sinovac) ومقرها بكين، وهو أيضاً مبني على استخدام شكل معطل من الفيروس.
مقابل هذه اللقاحات الثلاثة التي يتطلب كل منها جرعتين ليكون ناجعاً، فإن “المتسابق” الرابع ، من شركة كانسينو بيو (CanSinoBIO) يتطلب جرعة واحدة فقط. وعلى عكس الآخرين ، فهذا اللقاح يستخدم فيروسات غدية بشرية (Adenovirus)، لإيصال بروتينات فيروس الكورونا (SARS-CoV-2) إلى الجسم. وهذه التقنية تم استخدامها بالمناسبة من قبل لقاح سبوتنيك (Sputnik V) الروسي. ويجدر بالذكر أن شركة (CanSinoBIO) سبق واستخدمت نفس التقنية لتطوير لقاح فيروس الإيبولا (Ebola) الذي تمت أيضاً الموافقة عليه للاستخدام في حالات الطوارئ في الصين.
وأخيراً فقد حصل لقاح خامس مصنّع من قبل شركة الأدوية أنهوي زهيفي لونغكوم (Anhui Zhifei Longcom) بدوره على الموافقة على الاستخدام الطارئ في الشهر الماضي (16 آذار (مارس) 2021). يتطلب هذا اللقاح الأخير ثلاث جرعات وهو لقاح مكون من بروتينات فيروس الكورونا (SARS-CoV 2)، وتحديداً بروتينات مجال ربط المستقبلات (receptor binding domain).
يمكن الاحتفاظ بجميع هذه اللقاحات الخمسة في درجات حرارة الثلاجة العادية ، وهي ميزة كبيرة مقارنة بالعديد من اللقاحات الأخرى التي تتطلب التخزين في درجات حرارة شديدة البرودة.
ما هي بيانات التجارب السريرية المتوافرة لنا ؟
تم نشر نتائج التجارب العشوائية (randomized) وثنائية التعمية (double-blinded) للمرحلة الأولى والثانية للقاح (CoronaVac) والخاصة بفئتين عمريتين : 18-59 سنة، و 60 سنة وما فوق في مجلة لانسيت (the Lancet) في 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 2020 و 3 شباط (فبراير) الماضي على التوالي. بحسب هذه النتائج، حصل أغلب المرضى على المناعة لدى أخذ اللقاح وكان اللقاح بشكل عام آمنًا وجيد التحمل، مع القليل من الآثار الجانبية. ومن ناحية أخرى، أظهرت بيانات المرحلتين الأولى والثانية من التجربة السريرية للقاح شركة (Anhui Zhifei Longcom) المنشور في 4 آذار (مارس) نتائج مماثلة.
حتى تارخ كتابة هذا التقرير ، لم يتم نشر أي بيانات تجريبية للمرحلة الثالثة لأي من المرشحين الصينيين للقاح في موضوع علمي تمت مراجعته من قبل الأقران (peer-reviewed). وبالرغم من أن شركة (CanSinoBIO) أكدت أنها تنوي نشر هكذا موضوع، إلا أنها لم تعطِ إطارًا زمنيًا.
وبالتالي، يأتي معظم ما نعرفه عن هذه اللقاحات من إعلانات الشركات المصنعة والمعلومات الآتية من حكومات البلدان الأخرى التي تُجرى فيها تجارب هذه اللقاحات. وقد زعمت شركة سينوفارم (Sinopharm) في كانون الأول (ديسمبر) أن لقاحها الأول كان فعالاً بنسبة 79٪ من حيث الوقاية من أعراض مرض كوفيد 19، وذلك بناءً على البيانات المؤقتة للمرحلة الثالثة من التجربة السريرية، وهذا أقل من الفعالية البالغة 86٪ التي أبلغت عنها الإمارات العربية المتحدة (وهي من البلدان التي تم فيها تجربة اللقاح) في وقت سابق من نفس الشهر ،علماً بأن عدة دول أخرى قامت بتجربة اللقاح كالبحرين ومصر والأردن وبيرو. من ناحية أخرى، أشارت شركة سينوفارم إلى أن لقاحها الثاني، الآتي من معهد ووهان، أقل فعالية قليلاً من الأول (بنسبة فعالية وقدرها 72.5٪)، بناءً على البيانات المؤقتة من تجارب المرحلة الثالثة.
أبلغ المسؤولون الأتراك في كانون الأول (ديسمبر) عن بيانات مؤقتة من التجارب التي أظهرت أن لقاح كورونافاك الخاص بشركة سينوفاك كان فعالًا بنسبة 91.25٪ في الوقاية من أعراض مرض الكوفيد 19 في مجموعة فرعية من 1322 مشاركًا من تجربة شملت 7371 شخصًا. وبالمقابل، أعلن باحثون في البرازيل أن لقاح كورونافاك (CoronaVac) كان فعالًا بنسبة 78 ٪ في الوقاية من الحالات الخفيفة ، وفقًا لمعلومات من تجربة المرحلة الثالثة التي شملت 12000 من العاملين في مجال الرعاية الصحية في البلاد. وبعد ذلك بإسبوع، أظهرت نتائج جديدة أن فعالية اللقاح ضد مرض الكوفيد المصحوب بأعراض لا تتجاوز نسبة 50.4٪. في نفس الشهر ، قالت السلطات في إندونيسيا إن اللقاح (الذي تتم تجربته هناك أيضًا) كان فعالًا بنسبة 65٪.
بالنسبة للقاح كانسينو بيو (CanSinoBIO)، أظهرت النتائج في باكستان أن جرعة واحدة منه فعالة بنسبة 75 ٪ وفقًا للمسؤولين هناك. كما يتم تجربة نفس اللقاح في الأرجنتين وتشيلي والمكسيك وروسيا.
ذكرت وكالة أسوشيتد برس أنه وفقًا للبيانات الأولية المرسلة إلى الهيئة الناظمة للدواء في الصين ، فإن لقاح سينوفاك (Sinovac) آمن للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 3 و 17 عامًا بناءً على التجارب الأولية والمتوسطة لأكثر من 550 شخصًا.
ما هي تكلفة هذه اللقاحات ؟
في كانون الأول (ديسمبر) 2020، أفادت وسائل الإعلام الحكومية الصينية أن شركتي سينوفارم وسينوفاك تعتزمان فرض رسوم تقدر بحوالي 30 دولارًا (26 يورو) لكل جرعة من لقاحاتهما، فيما لم يتم الإعلان عن التفاصيل حول تكلفة اللقاحات الأخرى المطوّرة في الصين.
كيف يتم نشر وتوزيع اللقاحات في الصين ؟
في الوقت الحالي، يمكن استخدام أي من اللقاحات المحلية الخمسة البارزة في الصين ، على الرغم من أنه من غير الواضح عدد الجرعات التي تم إعطاؤها حتى الآن من كل لقاح أو الأمكنة التي تم إعطاؤها فيها. ولم تتم الموافقة حتى الآن على استخدام لقاحات أخرى في الصين.
وفقًا للبيانات التي نشرتها لجنة الصحة الوطنية الصينية وأوردتها وكالة رويترز للأنباء، فإنه تم إعطاء حوالي 120 مليون جرعة في الصين حتى تاريخ 31 آذار (مارس) المنصرم، . وبحسب تشونغ نانشان، الرئيس السابق للجمعية الطبية الصينية، فإن الصين تهدف لتطعيم 40٪ من سكانها البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة بحلول نهاية تموز (يوليو) 2021. ويعطي برنامج الدولة للتلقيح الأولوية لمن تتراوح أعمارهم بين 18 و 59 عامًا في مجموعات العمال الرئيسية، مثل العاملين في مجال الرعاية الصحية، وذلك قبل الانتقال إلى الأشخاص المعرضين للخطر سريريًا ثم أولئك الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا أو أكثر.
من ناحية أخرى، قالت السلطات التي تقف وراء برنامج التلقيح المجاني الشامل في هونغ كونغ إن ثلاثة مراكز كانت مقررة في الأصل لتقديم لقاح فايزر (Pfizer) ستتحول إلى لقاح سينوفاك استجابة لطلب الجمهور المتزايد بالتطعيم في أسرع وقت ممكن.
وبالمقابل، فيبدو أن الافتقار إلى الشفافية الذي يحيط باللقاحات المصنوعة في الصين، يؤثر سلباً على رغبة الجمهور الصيني في تلقيها. هذا التردد أمام اللقاحات الوطنية بات يمثل مشكلة حقيقية في إمبراطورية الوسط، فلقد وجدت دراسة استقصائية أجراها مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الصين أن 42٪ فقط من العاملين في مجال الرعاية الصحية والتأهب للأوبئة كانوا على استعداد للحصول على لقاح. وفي استطلاع للرأي أجري مؤخرًا في البلاد، أكد 47٪ فقط من الأشخاص الذين تم سؤالهم أنهم على استعداد لأخذ لقاح مصنوع في الصين.
ما هي اللقاحات الصينية التي تم اعتمادها خارج الصين ؟
تلقى اللقاح الأول لشركة سينوفارم ما يقرب من 30 موافقة للإستخدام الطارئ في ما يقارب 30 دولة، كالبحرين ، وغويانا ، والمجر ، وصربيا ، والإمارات العربية المتحدة. وكانت المجر أول دولة في الاتحاد الأوروبي توافق على استخدام لقاح صيني ، وكان رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان من بين أولئك الذين تلقوها.
بالنسبة للقاحات الأخرى، وافقت العديد من الدول على لقاح كورونافاك (CoronaVac) من شركة (Sinovac) للاستخدام في حالات الطوارئ ، بما في ذلك البرازيل وتشيلي (حيث تم اختبار اللقاح) وإندونيسيا ولاوس والمكسيك وتركيا. ومن ناحية أخرى، أعطت المكسيك وباكستان الموافقة على الاستخدام الطارئ للقاح كانسينو بيو (CanSinoBIO) وحصل لقاح أنهوي زهيفي لونغكوم (Anhui Zhifei Longcom) على الموافقة على استخدامه في أوزبكستان.
ما هي الدول التي تلقت اللقاحات الصينية ؟
بدت الشركات الصينية حريصة على تزويد البلدان المستوردة للقاحاتها بكميات كبيرة منها، بخلاف تلك الضرورية لإجراء التجارب السريرية. فعلى سبيل المثال، تم بالفعل توزيع 223 مليون جرعة من لقاح سينوفارم في بلدان مختلفة حول العالم. وفيما لا تزال قيمة الصفقات غير معلنة في بعض البلدان، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن المجر دفعت 36 دولارًا لكل جرعة من لقاح سينوفارم. أما السنغال فقد حصلت على سعر أفضل بكثير: فقط 19 دولارًا للجرعة في صفقة تتضمن تزويد الدولة الأفريقية بحوالي 200000 جرعة من لقاح سينوفارم.
تعتمد بعض الدول بشكل كبير على اللقاحات الصينية في برامج التطعيم ضد فيروس كورونا. وعلى سبيل المثال، فغالب اللقاحات المعطاة في دولة الإمارات العربية المتحدة من صنع سينوفارم. ويبدو أن صربيا تستعد لتلقي 500000 جرعة أخرى من نفس الشركة، وذلك بعد أن تسلمت بالفعل 1.5 مليون جرعة. وأخيراً فقد تلقت كمبوديا ومصر شحنات من 300000 جرعة لكل منها في وقت واحد.
في غضون ذلك، تلقت البلدان التي تجري تجربة لقاح سينوفاك أعدادًا كبيرة من الجرعات بالفعل. وعلى سبيل المثال تلقت إندونيسيا 28 مليون جرعة حتى وقت كتابة هذا التقرير، وتلقت تشيلي خمس شحنات وفقًا لوسائل الإعلام الحكومية الصينية على الرغم من أن العدد الدقيق للجرعات غير واضح.
وعلى الرغم من أن لقاح كانسينو بيو قد بدأ إطلاقه للتو، طلبت باكستان “عشرات الملايين” من الجرعات وفقًا لوزير الصحة هناك، وطلبت المكسيك ثمانية ملايين جرعة من نفس اللقاح.
المرجع : BMJ 2021;373:n912
Global Health World Wide Watch, April 19, 2021
